الشيخ محمد علي طه الدرة
606
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
وقال : « ليهنك العلم يا أبا المنذر » أخرجه مسلم ، وغيره ، وزاد الترمذيّ الحكيم في روايته : « فو الّذي نفسي بيده إنّ لهذه الآية لسانا ، وشفتين تقدّس الملك عند ساق العرش » . ومن حديث أبي ذر - رضي اللّه عنه - الطويل ، قال : سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : أيّ آية أنزل اللّه عليك من القرآن أعظم ؟ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ . . . إلخ . وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما : أشرف آية في القرآن آية الكرسيّ ، قال بعض العلماء : لأنّه يكرّر فيها اسم اللّه تعالى بين مضمر ، وظاهر ثماني عشرة مرّة . اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ : إخبار بأنّه سبحانه المنفرد بالإلهية لجميع الخلائق . اللَّهُ : علم على الذّات الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد ، وهو اسم اللّه الأعظم ، الذي إذا دعي به أجاب ، وإذا سئل به أعطى ، وإنما تخلفت الإجابة في بعض الأحيان عند الدعاء به لتخلّف شروط الإجابة ، الّتي أعظمها أكل الحلال . ولم يسمّ به أحد سواه ، قال تعالى في سورة ( مريم ) رقم [ 65 ] : هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا أي : هل تسمّى أحد ( اللَّهُ ) غير ( اللَّهُ ) ؟ وقد ذكر في القرآن الكريم في ألفين ، وثلاثمئة وستين موضعا ، علما بأنّه لم يذكر في سورتي الرّحمن ، والواقعة . الْحَيُّ الْقَيُّومُ أي : الحيّ في نفسه ؛ الذي لا يموت أبدا ، القيّم لغيره ، فجميع الموجودات مفتقرة إليه ، وهو غنيّ عنها ، ولا قوام لها بدون أمره ، وهما اسمان من أسماء اللّه الحسنى ، وأصل الْحَيُّ : الحيي بياءين متحركتين ، فسكنت الأولى ، ثمّ أدغمت في الثانية ، وأصل الْقَيُّومُ : القيووم ؛ لأنّه من : قام بالأمر يقوم ، فاجتمعت الواو والياء ، وسبقت إحداهما بالسكون ، فقلبت الواو ياء ، وأدغمت الياء في الياء ، قال الشّاعر : [ الخفيف ] إنّ ذا العرش للّذي يرزق النّا * س وحيّ عليهم قيّوم لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ أي : لا يعتريه نقص ، ولا غفلة ، ولا ذهول عن خلقه ، بل هو قائم على كلّ نفس بما كسبت ، شهيد على كلّ شيء ، لا يغيب عن علمه شيء في الأرض ، ولا في السّماء ، وهو السّميع العليم ، و ( السّنة ) بكسر السين : النّعاس في قول الجميع ، قال عديّ بن الرقاع العاملي : [ الكامل ] وسنان أقصده النّعاس فرنّقت * في عينه سنة ، وليس بنائم وفرّق المفضل بينهما ، فقال : السّنة في الرأس ، والنّعاس في العين ، والنّوم في القلب ، وبالجملة : السّنة والنعاس فتور يعتري الإنسان ، ولا يفقد معه عقله ، والمراد بهذه الآية : أنّ اللّه تعالى لا يدركه خلل ، ولا يلحقه ملل بحال من الأحوال ، والأصل في سِنَةٌ وسنة ؛ حذفت الواو ، كما حذفت من يسن الماء والأصل : وسن ، يسن ؛ مثل : وعد ، يعد . هذا ؛ والوسن أيضا النّعاس ، قال المتنبيّ أبو الطّيب : [ البسيط ] أبلى الهوى أسفا يوم النّوى بدني * وفرّق الهجر بين الجفن والوسن